محمد بن جرير الطبري
102
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
حسناتهم ؛ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ من قبل سيئاتهم . حدثنا سفيان ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن الحكم : ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ قال : من قبل الدنيا يزينها لهم ؛ وَمِنْ خَلْفِهِمْ من قبل الآخرة يبطئهم عنها ؛ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ من قبل الحق يصدهم عنه ؛ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ من قبل الباطل يرغبهم فيه ، ويزينه لهم . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ أما مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ فالدنيا أدعوهم إليها وأرغبهم فيها ؛ وَمِنْ خَلْفِهِمْ فمن الآخرة أشككهم فيها وأبعدها عليهم ؛ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ يعني الحق فأشككهم فيه ؛ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ يعني الباطل أخففه عليهم ، وأرغبهم فيه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : قوله : مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ من دنياهم أرغبهم فيها ، وَمِنْ خَلْفِهِمْ آخرتهم أكفرهم بها وأزهدهم فيها ، وَعَنْ أَيْمانِهِمْ حسناتهم أزهدهم فيها ، وَعَنْ شَمائِلِهِمْ مساوئ أعمالهم أحسنها إليهم . وقال آخرون : معنى ذلك : من حيث يبصرون ومن حيث لا يبصرون . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قول الله : مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ قال : حيث يبصرون ، وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ حيث لا يبصرون . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا ابن وكيع وابن حميد ، قالا : ثنا جرير ، عن منصور ، قال : تذاكرنا عند مجاهد قوله : ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ فقال مجاهد : هو كما قال : يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم . زاد ابن حميد ، قال : يأتيهم من ثم . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا أبو سعد المدني ، قال : قال مجاهد : فذكر نحو حديث محمد بن عمرو ، عن أبي عاصم . . . مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ قال : حيث يبصرون ، وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ حيث لا يبصرون . قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال : معناه : ثم لآتينهم من جميع وجوه الحق والباطل ، فأصدهم عن الحق وأحسن لهم الباطل ؛ وذلك أن ذلك عقيب قوله : لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ فأخبر أنه يقعد لبني آدم على الطريق الذي أمرهم الله أن يسلكوه ، وهو ما وصفنا من دين الله الحق ، فيأتيهم في ذلك من كل وجوهه من الوجه الذي أمرهم الله به ، فيصدهم عنه ، وذلك من بين أيديهم وعن أيمانهم ، ومن الوجه الذي نهاهم الله عنه ، فيزينه لهم ويدعوهم إليه ، وذلك من خلفهم وعن شمائلهم . وقيل : ولم يقل : " من فوقهم " لأن رحمة الله تنزل على عباده من فوقهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري ، قال : ثنا حفص بن عمر ، قال : ثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قوله : ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ ولم يقل : " من فوقهم " ، لأن الرحمة تنزل من فوقهم . وأما قوله : وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ فإنه يقول : ولا تجد رب أكثر بني آدم شاكرين لك نعمتك التي أنعمت عليهم كتكرمتك أباهم آدم بما أكرمته به ، من إسجادك له ملائكتك ، وتفضيلك إياه علي ، وشكرهم إياه طاعتهم له بالإقرار بتوحيده ، واتباع أمره ونهيه . وكان ابن عباس يقول في ذلك بما : حدثني به المثنى ، قال : ثنا